كيف نُفسد أطفالنا؟

كيف نُفسد أطفالنا ؟

بقلم السيّدة رزان الكيلاني، مُدرِّبة مهارات الحياة المُؤَهَّلة من اتِّحاد مُدرِّبي الحياة الدوليّ. 

قد تدورُ العناوين المُعتادة حول كيفيّة تعليم أطفالنا مهارات معيَّنة، أو التعامل معَ طباعهم الصعبة أحيانًا، أو مُعالجة تحديِّات التربية أو التعامل معَ المراهقين. ولكنِّي ارتأيْتُ أنْ أختارَ عنوانًا غالبًا ما يغفل عنه الأهل، إلّا أنّه شائع أكثر ممَّا نعتقدُ. لا أكتبُ عن كيفيِّة تعليم الأهل أطفالَهم مهارات معيَّنة. ولكنِّي أريدُ تسليطَ الضَّوْءِ على ما يفعلُه الأهل، والذي يؤدِّي إلى إفسادِ أبنائهم إفسادًا بالغًا، وذلك مِن خلال إحاطتهم باستمرار بالحماية الزائدة وتوفير الجهد عليهم بتلبية رغباتهم لهم، دون بذلهم الجهد المطلوب للحصول عليها. وأيضًا الدَّلال المُفرط الذي يتمثَّلُ بالمُبالغة في تلبية رغباتهم والسعي الدائم وغير المنطقيِّ أحيانًا لإرضائهم، بدون حدود.

 

تسأَلُني العديد مِن الأمَّهات يوميًّا عن تفسيرات لتصرُّفات أطفالهم التي تُؤَرِّقُهُمْ وتجعلُ مِن الصعب عليهم التعامل معهم. أَسْتَمِعُ إليهم بينما أراقبُ وجوهَهم التي تعتريها الدهشة والحيرة، وكأنّما تربيتهم لأطفالهم كانتْ مِن المفروض أنْ تسيرَ بمنحًى أفضل مِن ذلك. ومِن بعض التصرُّفات المُزعجة التي يشتكي منها الأهل هي الأنانيّة والفوقيّة تجاه أقرانهم والعجرفة والقسوة والنقد الجارح والتطلُّب المستمِرُّ وعدم تقديرهم لتضحيات ذويهم لتوفير مُتطلّبات الدراسة والحياة لهم. وهذه كلُّها مؤشِّرات على تدنِّي الذكاء العاطفيّ لديهم. بِتُّ أرى الإخوة في المنزل الواحد يعيشُ كلٌّ منهم بمعزل ذهنيّ وعاطفيّ عن الآخر وعن الوالدين. كما يكثرُ بينهم السِّباب والصِّراخ والصِّراع. ثم يَلْجَؤُونَ للوالدين كحَكَم فصل للنِّزاع؛ نظرًا لافتقارهم الحادِّ لمهارات التعاطف بين بعضهم البعض، ومشاعر التراحم والتعاطف كوسائل طبيعية وإيجابيّة لفضِّ أيِّ إشكاليّة بينهم. كما أنَّ الكبير لم يَعُدْ يعتبرُ نفسه القدوة لمن يَصْغُرُهُ سنًّا في المنزل. بل باتَ يزدادُ اختيالًا ولُؤْمًا أنّه هو الأكبر بينَهم، لِذا هو يَسْتَحِقُّ التَّفرُّدَ بألعابه وأغراضه الفخمة بعيدًا عن الصغار بحُجَّة خوفه مِن تحطيمِهم لها. وإنْ فَكَّرَ الصغير بتقليد أخيه أو أخته الكبرى ولَمْسِ بعض أشيائه، فالويل له، حيث لا يتردَّدُ الكبير بتوجيه الرَّدِّ الرادع له المُؤلم نفسيًّا أو جسديًّا، دونَ أدنى مشاعر الرّأفة تجاهه، أو حتّى استيعاب أنَّ إخوته يريدونَ أنْ يلعبُوا معه فقط. فتراه هو يُكَرِّهُهُمْ بنفسه عن قصدٍ؛ لكي يبتعدوا عن مساحته الشخصيّة.

 

أصبحَ نادرًا أنْ نرى الكبير يُحِبُّ قضاء الوقت باللعب معَ أخيه أو أخته الصغيرة. كما فُقِدَ الحوارُ بين الإخوة وسادَتِ الأنانيَّة والتباغض بينهم. فالدَّلالُ الزائد يَزِيدُ مِن شعورهم بتفرُّدِهم عنْ غيرهم، وَيُعَظِّمُ تمحورهم حول “الأنا” لديهم، ويَهْدِمُ رغبتهم في تطوير مهاراتهم العاطفيّة والاجتماعيّة، كالإحسان لبعضهم البعض. وفي ظِلِّ هذا الدَّلالِ الزائد لكلٍّ مِن الأبناء، أصبحَ تواجدُ الأمِّ بينهم طوال الوقت ضرورة؛ لِئَلّا يؤذيَ بعضهم الآخر.

 

أرى أُمَّهاتٍ يُقَدِّمْنَ قصارى جهودهن لتلبية جميع رغبات أطفالهن وإرضائهم باستمرار، في أيِّ وقت مِن النهار أو المساء. وَتُعَلِّمُ الأُمُّ –ومنذُ الطفل الأوَّل– أطفالها الاعتماديّة التّامّة عليها، حتّى في أبسط الأمور، كاختيار ملابسهم حتّى عندما يكبُرُونَ، وفي الإصلاح بين الأطفال إذا ما دَبَّ الشجار بينهم.

 

بالمُقابل، أرى أبناءَهن  دائمي الشكوى والصراخ والغضب، مع أنَّني لدى استماع تضحيات الأمَّهات، أَسْتَعْجِبُ أينَ اخْتَفَتْ قيمُ احترام الوالدين، وَتَجَنُّبِ عقوقهم التي تَرَبَّيْنا عليها كلُّنا في الماضي. كما أنّني أرى تدنِّيَ تحصيلهم العلميّ وَتَشَتُّتَ انتباههم بينَ عالم الواقعِ وعالمِ الإلكترونيّات الافتراضيّ، واستبدالهم ما لا يَنْفَعُهُمْ في الواقع والمستقبل بما هو أهمُّ. غالبًا ما تقولُ لي الأُمَّهات: جِيلُ هذه الأيّام لا يَقْدِرُ ولا يَسْتَوْعِبُ الجهود المبذولة في سبيل سعادتهم ونجاحهم. نَحْرِقُ دَمَنا ونحنُ نَشْرَحُ لهم أهميَّة إنهائهم دراسَتَهم، بينما لا يَكْتَرِثُونَ هم بأيٍّ مِن هذا، بل وَيَعتقدونَ أنَّ بإمكانهم العيش دونَ تعليم، وهم في غُرَفِهِم يُضَيِّعُونَ وقتهم في لعب ألعاب الفيديو ومشاهدة الأفلام والسَّهر لساعات مُتَأّخِّرَةٍ ليلًا.

  

أَرى أُمَّهاتٍ وآباءً بِنِيَّةٍ حسنة يشترُونَ لأطفالهم ما لَذَّ وطابَ، وما تشتهي أنفسهم مِن ألبسة وألعاب. قد نُسَمِّي ذلك حُبًّا أو كَرَمًا، والنتيجة المُتوقَّعة هي أنْ يُبادِلَ الأبناء ذويهم الحِنيَّة ذاتها. إلّا أنَّ ما يحدثُ معظَمَ الوقت هو المزيد مِن الجُحود (عدم التقدير) وانعدام القناعة والشعور بالغضب الدائم على الوالدين. وَهُنا، أَتَيْتُ على رؤية الشراء الزائد والإرضاء المبالغ فيه لرغبات هؤلاء الأطفال، وعدم وضع قوانينَ تُمَكِّنُهُم مِن كَسْبِ هذه العطايا فقط لدى إتمامهم مهامَّ معينة مُسْنَدَةً إليهم، أو عندما فقط يكونونَ جديرينَ بها، على أنَّه دلالٌ زائد، يعكسُ نقصًا  في وعيِ الأهلِ بنتائج هذا التَّصرُّف.

  

ونوعٌ آخرُ مِن الأهل أَلْمَسُ وقعه من خلال احتكاك المراهقين والأطفال الذين أَتَعامَلُ معهم، وهذا النوع من الأمَّهات والآباء لا يُرَبُّونَ أطفالهم فعليًّا، وإنما ينشغلونَ عنهم داخل المنزل أو خارجه. وَيَتَّسِمُ هذا النَّوْعُ مِن الأهل بسرعة الانفعال والانشغال الدائم بأمورهم -وببرامجهم إن كانوا بالمنزل- وعدم الرغبة بالتعامل مع الأبناء أو تهذيبهم. بالمُقابل، يَشْتَرُونَ راحةَ بالهم بتلبية مُتَطَلَّبات أطفالهم غير المُتناهية، مِن الهواتف الذكيّة والحاسوب والتلفاز في غرف نومهم… أيًّا كانَ، فقط لِيُبْقُوهُم بعيدينَ عنهم، وَيَتَفَرَّغُ كلٌّ مِن الأمِّ والأبِ كلٌّ لِعالَمه الافتراضيّ.

أصبحْتُ أَرَى أنَّ الشراء المسْتمرَّ باتَ يُحَسِّنُ صورة الأهل أمام أنفسهم وأمام الآخرين؛ لِحرصهم ألّا يظهرَ طفلهم على أنّه الوحيد بينَ أقرانه مِمَّنْ يمتلكونَ شيئًا هو لا يمتلكُه. كما أنّه قد يكونُ الأسلوب الأسهل للتعامل معَ نوبات الغضب لدى الأبناء إذا لم تَتِمَّ تلبية رغباتهم. كما أنَّ تركَهم يقضونَ معظم أوقاتهم داخل عالمهم الافتراضيّ (من خلال الهواتف الذكيّة والتابلت والألعاب الإلكترونيّة والخَلَويّات)، واصطحابهم معهم في كلِّ مكان (حتّى إلى المدرسة وفي الباص على الطريق بين المدرسة والمنزل)، ليعفي الأهل من قضاء الوقت النوعي معهم بصبر وهدوء أعصاب وحنيّة، والتعامل اليوميّ مَعَ التَّحدِّيات التي تُؤَرِّقُهُم، ومتابعة تصرُّفاتهم وتوجيههم بهدفِ تَنْشِئَتِهِمْ تنشئة نفسيّة روحانية سليمة (أقصدُ غير ماديّة).

 

كما أَنَّني وَجْدَتُ أنَّ استهلاكَ الأطفال -بل وجميع أفراد الأسرة لقنوات الإعلام وبرامجها باستخدام جميع الأجهزة الإلكترونيّة المُتاحة- وكذلك انتشار المناهج الدوليّة المُبهرة في المدارس، باتَ يُطَوِّرُ مهارات الأطفال في التفكير والإبداع وتكوينِ آرائهم الشخصيّة مِن جهة (وهذا رائع)، إلّا أنّها لا تَزْرَعُ فيهم قيمَ المُجتمع العربيّ الأصيلة وتراثه الأخلاقيّ، ككرم النّفس، والتضحية، واحترام الصغير للكبير، وحنيّة الكبير على الصغير، والحرص الدائم على رضا الوالدين وخفضِ جناح الذُّلِّ لهم مِن الرحمة وتقدير جهودهم. ونتيجةَ سَطْوِ الإعلام الماديّ الترفيهيّ على منظومة الأخلاقيّات الإنسانيّة والمجتمعيّة التي تربِط الطفل بمجتمعه، أصبح الطفلُ يشعرُ بقيمته مِن خلال جمالِ شكلِه ومُقتنياته والمغامرات المشاكسة التي يقومُ بها، والتي يَسْتَعْرِضُها بينَ الفيْنَة والأخرى من خلال الواجهات الإلكترونيّة، التي يُطِلُّ ظِلُّهُ الافتراضيّ المُهندم مِن خلالها على الآخرين ليَمْلأهم دهشة وغيظة أحيانًا. وهكذا يعيشُ الفرد منذُ صغر سِنِّهِ أسيرَ توقُّعات الآخرينَ وإدمانه على أخذِ رأيِهم فيما يأكلُ وَيَلْبَسُ والصور التي يَلْتَقِطُها لنفسه ويعرِضُها لهم. وهذا يجعلُ شخصيّة أطفالنا هشّة ورهينة برضا الآخرينَ، ونتركهم فريسة سهلة لِتَنَمُّرِ مَن يَسوى ولا يَسوى عليهم وهدم صِحتهم النفسيّة والعاطفيّة.

 

وهنا نسألُ أنفسنا: هل نَتْرُكُ أطفالنا يستهلكونَ الإعلام الترفيهيّ الذي لا يُسْمِنُ ولا يُغني مِن جوع الروح إلى الحاجة إلى الاستقرار والاستقلاليّة في التفكير والشعور، وبناء ثقتهم بأنفسهم بنفسهم وإيمانهم بأهميّة حياتهم لوعيهم بمواهبهم ومهاراتهم؟!

 

يا أيُّها الوالِدانِ، أَلَا تَرَوْنَ صلة وثيقة بين تَصرُّفات أبنائكما معكما والدَّلالَ والحمايةَ الزائدتيْنِ اللتيْنِ تُحيطانهم بها؟ لديكما دائمًا الخيار: السعيُ وراء إرضائهم بلا جدوى؛ (لأنَّني لاحظْتُ أنّ كثرة الدَّلالِ لا تُعَلِّمُ الأبناء الامتنان ولكنْ عدم القناعة)، أو وَضْعُ قوانين منزليّة واضحة تُبَيِّنُ كيفيّة حصولِ الأبناء على ما يُريدونه بعد إثباتهم استحقاقَهم له، وهذا يشملُ منعَ الصراخ والسباب والعنف اللفظيّ والمعنويّ بين جميع أفراد الأسرة، وضرورة الامتنان والتقدير، وقيم الجدارة والمثابرة والصبر والمساعدة والتراحم والتعاطف بينهم؛ لكي يكونوا كأعمدة بُنيانٍ رصين يقفُ في وجه تحديّات الحياة. وهكذا ندعمُهم لرفعِ مستوى الذكاء العاطفيّ والاجتماعيّ لديهم، وَنُقَوِّي ثقتهم بأنفسهم، وَنُحَسِّنُ أداءَهم الدراسيّ وعلاقاتهم داخل المنزل وخارجه.

 

للاتِّصال بالسَّيِّدةِ رزان الكيلاني:

Facebook: Wisdom Within Consultancy, www.wisdomwithinconsultancy.com

Email: wisdomwithinconsultancy@yahoo.ca

Advertisements

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s